فصل: تفسير الآيات (1- 19):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (نسخة منقحة)



.سورة الأعلى:

ويقال سورة سبح.
هي تسع عشرة آية.
وهي مكية في قول الجمهور.
وقال الضحاك: هي مدنية.
وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة {سبح اسم ربك الأعلى} بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير وعائشة مثله.
وأخرج البخاري وغيره عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرآننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء، فما جاء حتى قرأت {سبح اسم ربك الأعلى} في سورة مثلها.
وأخرج أحمد والبزار وابن مردويه عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب هذه السورة: {سبح اسم ربك الأعلى}.
أخرج أحمد ومسلم وأهل السنن عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ {سبح اسم ربك الأعلى}، و{هل أتاك حديث الغاشية}، وإن وافق يوم جمعة قرأهما جميعا.
وفي لفظ: وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما.
وفي الباب أحاديث.
وأخرج مسلم وغيره عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر بـ {سبح اسم ربك الأعلى}.
وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بـ {سبح اسم ربك الأعلى}، و{قل يا أيها الكافرون}، و{قل هو الله أحد}.
وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر في الركعة الأولى بـ {سبح}، وفي الثانية: {قل يا أيها الكافرون}، وفي الثالثة: {قل هو الله أحد} والمعوذتين.
وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: «هلا صليت بـ {سبح اسم ربك الأعلى}، {والشمس وضحاها}، {والليل إذا يغشى}».

.تفسير الآيات (1- 19):

{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (13) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)}
قوله: {سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى} أي: نزّهه عن كل ما لا يليق به. قال السديّ: {سبّح اسم ربك الأعلى}: أي: عظمه. قيل: والاسم هنا مقحم لقصد التعظيم، كما في قول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ** ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر

والمعنى: سبّح ربك الأعلى. قال ابن جرير: المعنى نزّه اسم ربك أن يسمى به أحد سواه، فلا تكون على هذا مقحمة. وقيل المعنى: نزّه تسمية ربك، وذكرك إياه أن تذكره إلاّ وأنت خاشع معظم، ولذكره محترم.
وقال الحسن: معنى سبّح اسم ربك الأعلى: صلّ له. وقيل المعنى: صلّ بأسماء الله لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية. وقيل المعنى: ارفع صوتك بذكر ربك، ومنه قول جرير:
قبح الإله وجوه تغلب كلما ** سبّح الحجيج وكبّروا تكبيرا

والأعلى صفة للربّ. وقيل للاسم، والأوّل أولى. وقوله: {الذى خَلَقَ فسوى} صفة أخرى للربّ. قال الزجاج: خلق الإنسان مستوياً، ومعنى سوّى: عدّل قامته. قال الضحاك: خلقه فسوّى خلقه. وقيل: خلق الأجساد، فسوّى الأفهام. وقيل: خلق الإنسان وهيأه للتكليف. {والذى قَدَّرَ فهدى} صفة أخرى للربّ، أو معطوف على الموصول الذي قبله. قرأ عليّ بن أبي طالب، والكسائي، والسلمي: {قدر} مخففاً، وقرأ الباقون بالتشديد، قال الواحدي: قال المفسرون: قدّر خلق الذكر والأنثى من الدّواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.
وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشرّ، والسعادة والشقاوة، وروي عنه أيضاً أنه قال في معنى الآية: قدّر السعادة والشقاوة، وهدى للرشد والضلالة، وهدى الأنعام لمراعيها. وقيل: قدّر أرزاقهم وأقواتهم، وهداهم لمعايشهم إن كانوا إنساً، ولمراعيهم إن كانوا وحشاً.
وقال عطاء: جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها له. وقيل: خلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها.
وقال السديّ: قدّر مدّة الجنين في الرحم تسعة أشهر وأقلّ وأكثر، ثم هداه للخروج من الرحم. قال الفراء: أي قدّر، فهدى، وأضلّ فاكتفى بأحدهما، وفي تفسير الآية أقوال غير ما ذكرنا. والأولى عدم تعيين فرد، أو أفراد مما يصدق عليه قدّر، وهدى إلا بدليل يدلّ عليه، ومع عدم الدليل يحمل على ما يصدق عليه معنى الفعلين، إما على البدل، أو على الشمول، والمعنى: قدّر أجناس الأشياء وأنواعها، وصفاتها، وأفعالها، وأقوالها، وآجالها، فهدى كل واحد منها إلى ما يصدر عنه وينبغي له، ويسره لما خلق له، وألهمه إلى أمور دينه ودنياه. {والذى أَخْرَجَ المرعى} صفة أخرى للربّ، أي: أنبت العشب، وما ترعاه النعم من النبات الأخضر {فَجَعَلَهُ غُثَاء أحوى} أي: فجعله بعد أن كان أخضر غثاء، أي: هشيماً جافاً كالغثاء الذي يكون فوق السيل أحوى أي: أسود بعد اخضراره، وذلك أن الكلأ إذا يبس اسودّ.
قال قتادة: الغثاء الشيء اليابس، ويقال: للبقل والحشيش إذا انحطم، ويبس غثاء وهشيم. قال امرؤ القيس:
كأنّ ذرى رأس المجمر غدوة ** من السيل والأغثاء فلكة مغزل

وانتصاب {غثاء} على أنه المفعول الثاني، أو على الحال، و{أحوى} صفة له.
وقال الكسائي: هو حال من المرعى، أي: أخرجه أحوى من شدّة الخضرة والريّ {فَجَعَلَهُ غُثَاء} بعد ذلك، والأحوى مأخوذ من الحوة، وهي: سواد يضرب إلى الخضرة. قال في الصحاح: والحوة سمرة الشفة، ومنه قول ذي الرمة:
لمياء في شفتيها حوة لعس ** وفي اللثات وفي أنيابها شنب

{سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} أي: سنجعلك قارئاً بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرؤه، والجملة مستأنفة لبيان هدايته الخاصة به بعد بيان الهداية العامة، وهي هدايته صلى الله عليه وسلم لحفظ القرآن. قال مجاهد، والكلبي: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من آخر الآية حتى يتكلم النبيّ صلى الله عليه وسلم بأوّلها مخافة أن ينساها، فنزلت: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} وقوله: {إِلاَّ مَا شَاء الله} استثناء مفرغ من أعمّ المفاعيل. أي: لا تنسى مما تقرؤه شيئًا من الأشياء إلاَّ ما شاء الله أن تنساه. قال الفرّاء: وهو لم يشأ سبحانه أن ينسي محمد صلى الله عليه وسلم شيئًا كقوله: {خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} [هود: 107]. وقيل: إلا ما شاء الله أن تنسى، ثم تذكر بعد ذلك، فإذن قد نسي، ولكنه يتذكر ولا ينسى شيئًا نسياناً كلياً. وقيل: بمعنى النسخ أي: إلاَّ ما شاء الله أن ينسخه مما نسخ تلاوته. وقيل: معنى {فلا تنسى}: فلا تترك العمل إلاَّ ما شاء الله أن تتركه لنسخه ورفع حكمه. وقيل المعنى: إلاَّ ما شاء الله أن يؤخر إنزاله. وقيل: (لا) في قوله: {فَلاَ تنسى} للنهي. والألف مزيدة لرعاية الفاصلة، كما في قوله: {فَأَضَلُّونَا السبيلا} [الأحزاب: 67] يعني: فلا تغفل قراءته وتذكره. {إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر وَمَا يخفى} الجملة تعليل لما قبلها، أي: يعلم ما ظهر وما بطن، والإعلان والإسرار، وظاهره العموم، فيندرج تحته ما قيل: إن الجهر ما حفظه رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن، وما يخفى هو ما نسخ من صدره، ويدخل تحته أيضاً ما قيل من أن الجهر هو إعلان الصدقة، وما يخفى هو إخفاؤها، ويدخل تحته أيضاً ما قيل: إن الجهر جهره صلى الله عليه وسلم بالقرآن مع قراءة جبريل مخافة أن يتفلت عليه، وما يخفى ما في نفسه مما يدعوه إلى الجهر.
{وَنُيَسّرُكَ لليسرى} معطوف على سنقرئك، وما بينهما اعتراض. قال مقاتل: أي نهوّن عليك عمل الجنة.
وقيل: نوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل. وقيل: للشريعة اليسرى، وهي الحنيفية السهلة. وقيل: نهوّن عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به، والأولى حمل الآية على العموم، أي: نوفقك للطريقة اليسرى في الدين والدنيا في كلّ أمر من أمورهما التي تتوجه إليك. {فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ الذكرى} أي: عظ يا محمد الناس بما أوحينا إليك، وأرشدهم إلى سبل الخير، واهدهم إلى شرائع الدين. قال الحسن: تذكرة للمؤمن، وحجة على الكافر. قال الواحدي: إن نفعت أو لم تنفع؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث مبلغاً للإعذار والإنذار، فعليه التذكير في كل حال نفع، أو لم ينفع ولم يذكر الحالة الثانية كقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر} [النحل: 81] الآية. قال الجرجاني: التذكير واجب، وإن لم ينفع، فالمعنى: إن نفعت الذكرى أو لم تنفع. وقيل: إنه مخصوص في قوم بأعيانهم. وقيل: إن بمعنى ما، أي: فذكر ما نفعت الذكرى؛ لأن الذكرى نافعة بكل حال. وقيل: إنها بمعنى قد، وقيل: إنها بمعنى إذ. وما قاله الواحدي، والجرجاني أولى، وقد سبقهما إلى القول به الفراء، والنحاس. قال الرازي: إنّ قوله: {إِن نَّفَعَتِ الذكرى} للتنبيه على أشرف الحالين، وهو: وجود النفع الذي لأجله شرعت الذكرى، والمعلق بإن على الشيء لا يلزم أن يكون عدماً عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه آيات: منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى: {واشكروا للَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172]. ومنها قوله: {فليس جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101] فإن القصر جائز عند الخوف وعدمه، ومنها قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله} [البقرة: 230] والمراجعة جائزة بدون هذا الظنّ، فهذا الشرط فيه فوائد: منها ما تقدّم، ومنها البعث على الانتفاع بالذكرى، كما يقول الرجل لمن يرشده: قد أوضحت لك إن كنت تعقل، وهو تنبيه للنبيّ صلى الله عليه وسلم على أنها لا تنفعهم الذكرى، أو يكون هذا في تكرير الدعوة، فأما الدعاء الأوّل فعامّ انتهى.
ثم بيّن سبحانه الفرق بين من تنفعه الذكرى، ومن لا تنفعه، فقال: {سَيَذَّكَّرُ مَن يخشى} أي: سيتعظ بوعظك من يخشى الله، فيزداد بالتذكير خشية وصلاحاً. {وَيَتَجَنَّبُهَا الأشقى} أي: ويتجنب الذكرى، ويبعد عنها الأشقى من الكفار لإصراره على الكفر بالله، وانهماكه في معاصيه. ثم وصف الأشقى فقال: {الذى يَصْلَى النار الكبرى} أي: العظيمة الفظيعة؛ لأنها أشدّ حراً من غيرها. قال الحسن: النار الكبرى نار جهنم، والنار الصغرى نار الدنيا.
وقال الزجاج: هي السفلى من أطباق النار {ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى} أي: لا يموت فيها، فيستريح مما هو فيه من العذاب، ولا يحيا حياة ينتفع بها، ومنه قول الشاعر:
ألا ما لنفس لا تموت فينقضي ** عناها ولا تحيا حياة لها طعم

و{ثم} للتراخي في مراتب الشدّة؛ لأن التردّد بين الموت، والحياة أفظع من صلي النار الكبرى. {قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى} أي: من تطهر من الشرك، فآمن بالله ووحده، وعمل بشرائعه. قال عطاء، والربيع: من كان عمله زاكياً نامياً.
وقال قتادة: تزكى بعمل صالح. قال قتادة، وعطاء، وأبو العالية: نزلت في صدقة الفطر. قال عكرمة: كان الرجل يقول: أقدّم زكاتي بين يدي صلاتي. وأصل الزكاة في اللغة النماء. وقيل: المراد بالآية زكاة الأموال كلها. وقيل: المراد بها زكاة الأعمال لا زكاة الأموال؛ لأن الأكثر أن يقال في الأموال زكي لا تزكي. {وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى} قيل المعنى: ذكر اسم ربه بالخوف، فعبده وصلى له، وقيل: ذكر اسم ربه بلسانه فصلى أي: فأقام الصلوات الخمس. وقيل: ذكر موقفه ومعاده فعبده، وهو كالقول الأوّل. وقيل: ذكر اسم ربه بالتكبير في أوّل الصلاة، لأنها لا تنعقد إلا بذكره، وهو: قوله الله أكبر وقيل: ذكر اسم ربه في طريق المصلى فصلى. وقيل: هو أن يتطوّع بصلاة بعد زكاة. وقيل: المراد بالصلاة هنا صلاة العيد، كما أن المراد بالتزكي في الآية الأولى زكاة الفطر، ولا يخفى بعد هذا القول؛ لأن السورة مكية، ولم تفرض زكاة الفطر، وصلاة العيد إلا بالمدينة.
{بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا} هذا إضراب عن كلام مقدّر يدلّ عليه السياق، أي: لا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات الفانية في الدنيا. قرأ الجمهور: {تؤثرون} بالفوقية على الخطاب، ويؤيدها قراءة أبيّ: {بل أنتم تؤثرون} وقرأ أبو عمرو بالتحتية على الغيبة. قيل: والمراد بالآية الكفرة، والمراد بإيثار الحياة الدنيا هو الرضا بها، والاطمئنان إليها، والإعراض عن الآخرة بالكلية. وقيل: المراد بها جميع الناس من مؤمن وكافر، والمراد بإيثارها ما هو أعمّ من ذلك مما لا يخلو عنه غالب الناس من تأثير جانب الدنيا على الآخرة، والتوجه إلى تحصيل منافعها، والاهتمام بها اهتماماً زائداً على اهتمامه بالطاعات. وجملة: {والآخرة خَيْرٌ وأبقى} في محل نصب على الحال من فاعل تؤثرون، أي: والحال أن الدار الآخرة التي هي الجنة أفضل، وأدوم من الدنيا. قال مالك بن دينار: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى، فكيف والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من خزف يفنى؟
والإشارة بقوله: {إِنَّ هَذَا} إلى ما تقدّم من فلاح من تزكى وما بعده، وقيل: إنه إشارة إلى جميع السورة، ومعنى {لَفِى الصحف الأولى} أي: ثابت فيها. وقوله: {صُحُفِ إبراهيم وموسى} بدل من الصحف الأولى. قال قتادة، وابن زيد: يريد بقوله: {إِنَّ هَذَا} والآخرة خير وأبقى. وقالا: تتابعت كتب الله عزّ وجلّ أنّ الآخرة خير وأبقى من الدنيا.
وقال الحسن: تتابعت كتب الله جلّ ثناؤه إن هذا لفي الصحف الأولى، وهو قوله: {قَدْ أَفْلَحَ} إلى آخر السورة. قرأ الجمهور: {لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم} بضم الحاء في الموضعين، وقرأ الأعمش، وهارون، وأبو عمرو في رواية عنه بسكونها فيهما، وقرأ الجمهور: {إبراهيم} بالألف بعد الراء، وبالياء بعد الهاء. وقرأ أبو رجاء بحذفهما وفتح الهاء. وقرأ أبو موسى، وابن الزبير: {إبراهام} بألفين.
وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن مردويه عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت: {فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم} [الواقعة: 74] قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في ركوعكم» فلما نزلت: {سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى} أي: سورة الأعلى قال: «اجعلوها في سجودكم» ولا مطعن في إسناده.
وأخرج أحمد، وأبو داود، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ: {سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى} [الأعلى: 1] قال: «سبحان ربي الأعلى» قال أبو داود: خولف فيه وكيع، فرواه شعبة عن أبي إسحاق عن سعيد عن ابن عباس موقوفاً.
وأخرجه موقوفاً أيضاً عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ: {سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى} قال: «سبحان ربي الأعلى»، وفي لفظ لعبد بن حميد عنه قال: «إذا قرأت {سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى}. فقل: سبحان ربي الأعلى».
وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن الأنباري في المصاحف عن عليّ بن أبي طالب أنه قرأ: {سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى} فقال: «سبحان ربي الأعلى» وهو في الصلاة، فقيل له أتزيد في القرآن؟ قال: لا، إنما أمرنا بشيء، فقلته.
وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن أبي موسى الأشعري أنه قرأ في الجمعة: ب {سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى} فقال: «سبحان ربي الأعلى».
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عمر يقرأ: {سَبِّحِ اسم رَبّكَ} الأعلى فقال: «سبحان ربي الأعلى»، وكذلك هي في قراءة أبيّ بن كعب.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر أنه قال: إذا قرأ: {سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى} قال: «سبحان ربي الأعلى».
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن عبد الله بن الزبير أنه قرأ: {سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى} فقال: «سبحان ربي الأعلى» وهو في الصلاة.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فَجَعَلَهُ غُثَاء} قال: هشيماً {أحوى} قال متغيراً.
وأخرج ابن مردويه عنه قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يستذكر القرآن مخافة أن ينسى، فقيل له قد كفيناك ذلك، ونزلت: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى}.
وأخرج الحاكم عن سعد بن أبي وقاص نحوه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {إِلاَّ مَا شَاء الله} يقول: إلا ما شئت أنا، فأنسيك.
وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً {وَنُيَسّرُكَ لليسرى} قال: للخير.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود: {وَنُيَسّرُكَ لليسرى} قال: الجنة.
وأخرج البزار، وابن مردويه عن جابر بن عبد الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى} قال: «من شهد أن لا إله إلاّ الله، وقطع الأنداد، وشهد أني رسول الله» {وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى} قال: هي الصلوات الخمس، والمحافظة عليها، والاهتمام بمواقيتها. قال البزار: لا يروى عن جابر إلا من هذا الوجه.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى} قال: من الشرك {وَذَكَرَ اسم رَبّهِ} قال: وحد الله {فصلى} قال: الصلوات الخمس.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى} قال: من قال لا إله إلا الله.
وأخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم في الكنى، وابن مردويه والبيهقي في سننه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جدّه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أنه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلي صلاة العيد، ويتلو هذه الآية {قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى * وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى}». وفي لفظ قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن زكاة الفطر، فقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى} قال: «هي زكاة الفطر» وكثير بن عبد الله ضعيف جدّاً، قال فيه أبو داود: هو ركن من أركان الكذب، وقد صحح الترمذي حديثاً من طريقه، وخطئ في ذلك، ولكنه يشهد له ما أخرجه ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «{قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى * وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى} ثم يقسم الفطرة قبل أن يغدو إلى المصلى يوم الفطر» وليس في هذين الحديثين ما يدل على أن ذلك سبب النزول، بل فيهما أنه تلا الآية، وقوله: هي زكاة الفطر، يمكن أن يراد به أنها مما يصدق عليه التزكي، وقد قدّمنا أن السورة مكية، ولم تكن في مكة صلاة عيد ولا فطرة وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى} قال: أعطى صدقة الفطر قبل أن يخرج إلى العيد.
{وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى} قال: خرج إلى العيد وصلى.
وأخرج ابن مردويه، والبيهقي عن ابن عمر قال: إنما أنزلت هذه الآية في إخراج صدقة الفطر قبل صلاة العيد: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى * وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى}.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: قلت لابن عباس: أرأيت قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى} للفطر قال: لم أسمع بذلك، ولكن للزكاة كلها. ثم عاودته فقال لي: والصدقات كلها.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في شعب الإيمان عن عرفجة الثقفي قال: استقرأت ابن مسعود: {سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى} فلما بلغ: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا} ترك القراءة، وأقبل على أصحابه، فقال: آثرنا الدنيا على الآخرة، فسكت القوم، فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها، ونساءها، وطعامها، وشرابها، وزويت عنا الآخرة، فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل، وقال: {بل يؤثرون الحياة الدنيا} بالياء.
وأخرج البزار، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ هذا لَفِى الصحف الأولى * صُحُفِ إبراهيم وموسى} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي كلها في صحف إبراهيم وموسى».
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في الآية قال: نسخت هذه السورة من صحف إبراهيم وموسى، وفي لفظ: هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى.
وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه، وابن عساكر عن أبي ذرّ قال: قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟ قال: «مائة كتاب، وأربعة كتب» الحديث.